يعزز مركز المتميزين حضوره أكثر في اللاذقية المقر الجديد له بعد تهجير قسري تعرض له المركز من مدينة حمص بسبب استهداف الإرهاب له مباشرة وخسارته كوادر تدريسية، ما اضطره لسلسلة تنقلات بدأت بالقلمون في ريف دمشق ثم إلى طرطوس ليستقر بعدها بشكل نهائي في اللاذقية.



يعج المركز بالحياة، فالأهداف المرسومة للتميز شديدة الوضوح، ورعاته مصرون على استكمال بناء العقول وتأسيس بيئة بحثية تحتضن الباحثين الجدد مستقبلاً ببرامج علمية مختلفة وسط تحدٍّ واضح من الطلاب والإدارة لإثبات ذاتهم مع اشتداد الهجمة الإرهابية على سورية فهم يرون أنفسهم جنود علم يؤازرون الجنود على جبهات القتال، وسيقومون برد الجميل لاحقاً من خلال المساهمة بإعادة إعمار سورية أحد أبرز أهدافهم التي يصرون عليها.



الوصول إلى الأهداف شاق جداً، ويتطلب وقتاً ومجهوداً مضاعفاً مقارنة بالجهد المبذول للطلاب في مثل أعمار المتميزين، لذلك يعتمد المركز خطة دراسية صباحية تبدأ من الساعة 8 صباحاً حتى 2 ظهراً، وبعدها استراحة ساعتين ثم تبدأ الفترة المسائية وهي فترة التدريب العملي والإثرائي في المخابر وتستمر حتى الساعة 7 مساء.



أهداف المركز



يعتمد المركز على خلق كوادر محترفة عالية الأداء ضمن بيئة ترعى التميز وتعزز المستوى العلمي وتنمي المهارات القادرة على الإبداع والتميز، واستقطاب ورعاية الطاقات، وفتح فرص الإبداع أمام الشباب المتميز للنهوض بالمجتمع وتلبية حاجات الوطن.



يهدف المركز إلى صناعة ثروة وطنية مبدعة تكون نواة تساهم في تحقيق التنمية على كل المستويات، تكون قادرة على سد النقص في الخبرات والمهارات التي لم تتمكن قطاعات التعليم الأخرى من إيصالها إلى الغاية المطلوبة، وتوفير البيئة التعليمية والنفسية والمادية والتربوية التي تمكن من التعلم الفعال، وتنمية المهارات في المجالات المعرفية والبحثية، وتعزيز الإحساس بالمسؤولية المجتمعية ضمن إطار الالتزام بنقل المعرفة والخبرة المكتسبة.



تحدي الإرهاب



وجد طلاب المعهد أنفسهم وجهاً لوجه مع الإرهاب عندما كانوا في محافظة حمص، ماأفرز حالة من التحدي كما يقول الدكتور اسكندر منيف مدير المركز ورغبة شديدة لإثبات الذات ويضيف: هناك تحد لدى الطلاب، وكلما زادت الأزمة وجدوا أنفسهم في تحدٍّ وإثبات وجود، فمجرد وجود بيئة ترعى التميز وتستمر رغم كل الظروف هو تحد وانتصار، والحرب الكونية على بلدنا هي حرب وجودية سلاحها الأساس الجهل، لذلك وجود محاربين بالعلم أساس لمؤازرة الجنود في ساحات المعارك.



المشاركة لاحقاً بإعادة الإعمار مانركز عليه في المرحلة الجامعية فطلابنا تربوا على رد الجميل لبلدهم وهم مصرون على أن يوجدوا في ساحات الإعمار.



عودة للتعاون مع الأصدقاء الروس



قال منيف: أسس المركز بمساعدة خبراء روس على غرار مركز المتميزين في موسكو، استفدنا من خبرتهم الطويلة في هذا المجال، وساعد الخبراء الذين وجدوا في المركز بوضع القاعدة الأساسية لمركز المتميزين السوري، مضيفاً: الوضع الأمني غير المستقر واستهداف المركز دفعاهم للمغادرة، ولكن بعد استقرار المركز في اللاذقية نسعى إلى إعادة تفعيل هذا التعاون من جديد، مستفيدين من شراكتنا السابقة في هذا المجال، واحتمال البدء بإدخال اللغة الروسية كلغة إضافية إلى الخطة الدرسية.



منهاج غير نمطي



لاتوجد كتب مدرسية وفقاً للدكتور اسكندر منيف مدير المركز إذ يقول: يحتاج الطالب خطة علمية تدريسية مختلفة، مضيفاً: يوجد الكتاب المؤلف للمميزين سابقاً وكتب الثانوية العامة هي مراجع للطالب إضافة إلى بروشورات بمفردات المناهج، نفتح المجال أمام الإبداع، فالمنهاج مفتوح لكن هناك مفردات أساسية يجب أن يغطيها. يضم المركز 225 طالباً، وفي كل شعبة يوجد 75 طالباً في كل صف.. ويقول منيف: ضمن الإمكانات الحالية هذا العدد الذي نستوعبه.. نأمل أن يعود الأمن والأمان إلى حمص وأن يعاد فتح المركز «المقر الأساس» وبالتالي يكون العدد أكبر أو أن يكون هناك مركزان.



مبدأ القبول



للقبول في المركز آلية محددة تتوزع على شكل نسب مئوية لمجموعة اختبارات ويقول منيف: نعطي 30% لعلامة الشهادة الإعدادية، و70% الباقية تتراوح بين 30% فحص قدرات عقلية ومدرسية، فحص الذكاء 30% و10% مقابلة شخصية مع الطالب تتضمن مهارات التواصل وأنا أقترح هذا العام أن نتواصل مع الطالب والأبوين أيضاً.



البرامج الجامعية



بعد ثلاث سنوات وهي مدة الدراسة في المركز ينتقل الطلاب بعدها للالتحاق ببرامج جامعية خاصة بهم ويقول منيف: حرصنا على أن تدخل النخبة باختصاصات جامعية هجينة تخلق نواة لباحثين مستقبلاً، مثل تقانات طبية وحيوية تحتضنها كلية الصيدلة في دمشق تحتوي على مواد من كلية العلوم والطب البشري والصيدلة، لخلق باحثين مثلاً بالخلايا الجزعية وممكن التهجين.



نحتاج توطين هذه الاختصاصات الهجينة وهي محاور مهمة لسورية جداً حالياً، ولا حقاً فهناك برامج مختلفة داخل البحوث العلمية والهندسات والطيران وتقانات علوم الليزر، ونهدف لإشراك أكثر من جامعة في برامج المتميزين.



وأضاف: حالياً توجد في المرحلة الجامعية الدفعة الأولى من الطلاب وصلت للسنة الرابعة، ويوجد إيفاد خارجي، مؤكداً أن البعض لا يحافظ على التميز خلال سنوات الدراسة الجامعية، لكن المعهد، وفقاً لهدفه يسعى إلى إكمال الطلاب ما بدؤوه بالمستوى نفسه، لافتاً إلى أهمية الموقع الجديد للمركز وسط جامعة تشرين وقال: للموقع الجديد إيجابيات عديدة أبرزها قربه من المخابر الموجودة في الجامعة، ما يريح المعهد من ناحيتين، الأولى التكلفة المادية لقرب المخابر الجامعية ووجود المواد والتجهيزات اللازمة للمشروعات، والثانية الإشراف الأكاديمي. وأضاف: أنجز الطلاب خلال العام الدراسي الحالي (2014-2015) 41 مشروعا، توزعت بين علوم وكيمياء وفيزياء ورياضيات ومعلوماتية التي كانت لها الحصة الأكبر من اهتمامات الطلاب.



الاندماج في المجتمع



تتوسع مسؤولية القائمين على المركز إلى الاهتمام بالطلاب من كل النواحي كونه مركزا وحيدا يحتضن الطلاب من كل المحافظات السورية ويضطر الطلاب للإقامة في سكن داخلي تابع للمعهد وهنا تكون المسؤولية مضاعفة. ويقول منيف: الطلاب أمانة لدينا في ظل غياب الأهل ولاسيما أنهم في مرحلة المراهقة.. مؤسستنا لها خصوصيتها، حيث نعطي المشرف على الطلاب خطة واضحة ومنظمة للعمل قائمة على الاحترام المتبادل، ويضيف: لانسعى إلى تخريج علماء متقوقعين على أنفسهم، هدفنا بناء شخصية متكاملة يتحقق فيها توازن بين الجانب العلمي والشخصية وزيادة تفعيلهم بالأعمال المجتمعية والتطوعية وقد كان للطلاب تجارب عدة بالأعمال التطوعية بالشراكة مع الأمانة السورية للتنمية.



سورية مصغرة



ضياء المسوكر عضو هيئة تعليمية في مركز المتميزين وهو من المؤسسين الأوائل يقول عن تجربته في العمل في المركز: نشعر بالمتعة والانجاز وبإحساس عال بالمسؤولية رغم الضغط وساعات العمل المفتوحة لكن عملنا كعائلة واحدة جعل الصعوبات لا تذكر، وأضاف: ما يضاف للمركز انه يمثل سورية مصغرة بكل انتماءاتها وأطيافها والتأثيرات التي طرأت على الحالة الوطنية انصهرت واندمج الجميع بحس وطني واحد لا يوجد شذوذ بهذا الموضوع في مركز المتميزين. نعلم الطلاب أدوات البحث وان يتحقق الطالب من كل معلومة ويفكر بطريقة علمية، ويتمتع الطلاب بثقة عالية بالنفس ولديهم الشعور العالي بالمسؤولية والحس الوطني ويدركون بشكل مسبق من خلال وجودهم بالمركز وخلال متابعة دراستهم الجامعية أنهم يجب أن يقدموا شيئا لبلدهم.



لاينقص الطلاب أي شيء علمي أو أي احتياجات أخرى كما يقول مسوكر، فأغلب أدوات البحث العلمي والاختراع متوافرة، أو نحاول تأمينها لاحقاً لو حدث تأخير، وأكبر مثال على ذلك انه تم تأمين أدوات تتعلق بالروبوت وستضاف العام القادم إلى مراكز أبحاث المركز.



طلاب وأساتذة من المركز



تروي الطالبة ياسمين الشلي الصف الثالث الثانوي تجربة الثلاث سنوات التي قضتها في المركز وهي على أبواب التخرج أن نظرتها للأمور اختلفت عن بداية دخولها للمركز، حيث لم تكن مقتنعة كثيرا بالدخول إليه لكنها أدركت لاحقا حجم المسؤولية وبتشجيع الأهل والأساتذة وجدت ماتبحث عنه متمنية أن تدخل اختصاص الليزر خلال دراستها الجامعية وهو اختصاص جديد.



نور الدسوقي طالبة صف عاشر طالبت بوجود تجهيزات جديدة للمخابر ورأت أن السلبية الوحيدة هي الدوام الطويل. وقالت: ندرس للمستقبل نريد أن نشارك بإعمار بلدنا، مستذكرين شعار المؤتمر العلمي الأخير لطلاب المركز والذي حمل عنوان (بتميزنا نبني وطننا).



بدورها قالت هبة حيدر طالبة صف عاشر: دخلت المركز برغبتي التامة, وأرى نفسي بهذا المكان حيث استطيع أن أنجز ما أتمناه, وترغب بفتح أفرع جديدة كهندسة العمارة والهندسة المدنية.



سامر العمر مدرس علم أحياء يقول: عندما استقر المركز في اللاذقية لم أتردد بأن أنضم إلى صفوف كادره التدريسي، هنا تشعر بالإبداع وتجد بيئة مناسبة لهذا العمل, مضيفاً: طلابي يتميزون بأسئلتهم التي تتطور دائماً وأنا بدوري أتطور أعود وأحضر وأطالع وأعمل على تدريب الطلاب ليوسعوا نمط تفكيرهم وأواكب طلابي دائماً, شعور التحدي واضح لدى الطلاب وأحاول تنميته دائماً, اعمل باستمتاع في المركز فهو أفضل مؤسسة تقدم علماً, لا ننفي وجود الضغط والمسؤولية لكن نعمل باستمتاع أحياناً أدخل إلى المركز الثامنة صباحاً وأعود في الثامنة مساء من دون أن أشعر بالملل, مطالباً بتطبيق هذه القواعد في المدارس الرسمية حيث لا يجد من خلال تجربته التعليمية أي مانع من ناحية الخبرات ولا الطلاب لكن الموضوع بحاجة إلى رعاية أكثر.



من جهتها قالت نسرين أحمد مرشدة نفسية والتي بدأت العمل في المركز منذ كان في مدينة حمص: يوجد طلاب لا يتأقلمون بالجو العام ومسؤوليتنا مساعدتهم على الاندماج ونقف إلى جانبهم ونعمل ما في وسعنا لتعويض غياب الأهل عاطفياً وعائلياً، ونعلمهم أن يجدوا الحل لمشكلاتهم والأهم أن يعتمدوا على أنفسهم وأن يجدوا الحل وثم نتناقش معاً, مضيفة: مهمتنا تتلخص ببناء شخصية متكاملة علمياً ونفسياً وشخصية طلاب المركز واضحة بأي منحى يتم نقاشهم به, نأخذ بآرائهم ونعلمهم اعتماد الحل الجماعي وأن يتشاركوا الحلول كفريق متكامل, علاقتنا ودية ولهم سقف عالٍ من الحرية.



الدفعة الضحية



يستعد المركز الآن لاستقبال الدفعة السابعة من الطلاب, وحالياً بصدد تخريج الدفعة الرابعة, تسمى هذه الدفعة في المركز(الدفعة الضحية), حيث كانت ضحية للإرهاب وعدم الاستقرار, طلاب هذه الدفعة عاشوا الأزمة مباشرة وتهجروا من حمص إلى ريف دمشق في تل منين ثم القلمون فطرطوس وأخيراً اللاذقية ورغم الظروف التي عاشوها تبدو نتائجهم جيدة، بعد حمص تعرضوا للقصف بالقذائف في القلمون فاتخذ القرار بتسيير الطلاب مباشرة وتأمين الحماية لهم.



وقال مسوكر: رحلة شاقة تكبدتها هذه الدفعة وتنقلوا كثيراً وتغيرت كوادر كثيرة عليهم حاولنا احتواءهم , تغير البيئات أثر سلباً في نتائج هذه الدفعة, لكن الأمور الآن أفضل حيث عادت إلى سابق عهدها, وتم بناء مبنى جديد للمركز في اللاذقية وسكن مستقل مجهز بكل الاحتياجات اللازمة.



متطوعون للمساعدة



توجد على باب المركز الرئيس مجموعة من الطلاب الذين قرروا المساعدة في استقبال الطلاب الراغبين بالانضمام إلى المركز لهذا العام الدراسي ومساعدتهم، ونقل المعلومات بشأن المركز لهم يشعرهم بالمسؤولية تجاه مؤسستهم التعليمية، نظموا الأدوار ووزعوا المسؤوليات وبدؤوا بإعطاء المعلومات من تجربتهم في المركز إلى المستفسرين من طلاب وأهال.



نتائج مهمة



حقق طلاب المركز نتائج متميزة في عدد من المسابقات ومنها المسابقة البرمجية في جامعة تشرين والتي استضافها المركز وحققت فرقه الخمسة المشاركة نتائج جيدة جداً, وحالياً يوجد فريق مشارك من المركز في الأولمبياد العالمي في الرياضيات بمشاركة طالبين من المركز وطالبين في الفيزياء أيضاً ويستعد المركز للمشاركة لاحقاً في الكيمياء.



وقال مسوكر: هؤلاء سفراء العلم ورغم الحرب والهجمات الإرهابية على بلدنا أثبتوا أن سورية تنتج عقولاً تنافس على مستوى العالم, هؤلاء سفراء سورية إلى العالمية.



يستقبل المركز الطلاب من كل أنحاء سورية ويؤمن لجميع الطلاب الراغبين الإقامة والإطعام مجاناً ومنحة مالية شهرية بقيمة 5000 ليرة سورية, وتصل المنحة الجامعية للطلاب إلى 25 ألف ليرة.