نقرأ على مدى التاريخ الإنساني, عن تميز افراد شكلوا ثقلا نوعيا في تراكم بشري أدى في معظم حالاته إلى تطور ما, و في ظل أفضل الممارسات والاستئناس بالتجارب الدولية في مجالات اختبارات التميز من حيث بنائها,

وخصائصها, وإدارتها, أحدث المركز الوطني للمتميزين بالمرسوم التشريعي 45 لعام 2008 بغية إعداد كوادر محترفة عالية الأداء ضمن بيئة داعمة وراعية للتميز تسعى لتعزيز الإبداع العلمي وتنمية المهارات والقدرات لدى المتميزين. من هنا كانت مهمة المركز استقطاب الطاقات ورعايتها وإتاحة فرص الابداع أمام الطلاب المتميزين للنهوض بالمجتمع وبناء الوطن.‏

وحري بنا بعد سنوات من إقامة هذا المشروع البناء أن نتساءل :‏

هل أضاف هذا المركز بصمة سورية نوعية في عالم التميز والابداع على المستوى العربي والإقليمي والعالمي .. وكيف تبلورت هذه البصمة في أتون الأزمة التي تعيشها سورية الآن؟‏

معايير..‏

بداية لا بد من التحدث عن المعايير في قبول الطلاب الراغبين بالانتساب إلى المركز الوطني للمتميزين وهل أثبط البعض الهمم في بناء الذات وإدارتها عند كل متميز نال شرف الانضمام إلى هذا المركز وكيف عالجت إدارة المركز هذا البعض؟‏

الدكتور إسكندر منيف مدير المركز أكد أن الانتساب الى المركز الوطني للمتميزين يعتمد عدة معايير دقيقة لانتقاء نخبة من الطلاب متميزة وقادرة على الإبداع والابتكار, وهذا يتطلب الدقة في اختيار الطلاب القادرين على التكيف مع بيئة جديدة لها خصوصيتها ..‏

المقابلة الشخصية‏

حيث وضعت الأسئلة من لجنة وزارية بالتنسيق مع المركز الوطني للقياس والتقويم مع ملاحظة أن الفترة التجريبية لاختبار قدرة التكيف عند الطالب مع الإقامة الداخلية قد استبدلت بالمقابلة الشخصية للناجحين في الاختبار الثاني, وتوزعت النسب 30% لمعدل الصف التاسع و30% لمعدل الاختبار الأول و30% لمعدل الاختبار الثاني و10% لنتيجة المقابلة الشخصية.‏

اما فيما يخص فكرة إحباط من لم يحالفهم الحظ في الانضمام للمركز أقول: ليس التميز حكرا على طلابنا, والدليل الطلاب الحاصلون على شهادات التقدير والجوائز العالمية في الاولمبياد العلمي لا ينتمون بالضرورة للمركز, وهنا أحب أن أنوه أنه قد ترشح للامتحان المركزي للأولمبياد العلمي الذي سيجري خلال العطلة الانتصافية حوالى 38 طالبا من طلاب الصف العاشر نتمنى لهم كل التوفيق.‏

بيئة محفزة‏

*- هذا جيد.. لكن إذا اعتبرنا التميز جزءا من دائرة الابداع, هل يصح القول أنه ليس كل متميز مبدعاً, في حين كل مبدع متميز, إلى أي حد استطعتم تجسيد هذه المقولة في عمل والاشتغال عليها في الخطة العلمية للمركز؟‏

**- المبدع متميز حتما, وهو ما نسعى إليه مع طلابنا فالهدف والرسالة الأساسية لوجود المركز هي خلق بيئة محفزة للتميز والابداع, ويحاول المركز من خلال خطته العلمية اشراك الطالب في اقتراح عناوين أو مواضيع حلقات البحث و مشاريع بحثية, بهدف جعل الطالب يبحث في شيء أقرب ما يكون لميوله العلمية, في مقاربة لحثه على الابداع والابتكار. يساهم معنا في الخطة العلمية والبحثية في المركز مشرفون أكاديميون من جامعة تشرين في جميع الاختصاصات, وتضع الجامعة أيضا كل امكانياتها في مساعدة المركز في النهوض واستكمال البنى التحتية لانتقال المركز لمقره الحالي في اللاذقية, واسمحي لي أن أتقدم لجامعة تشرين بكل الشكر والتقدير على الجهود العظيمة المبذولة في هذا المجال.‏

روائز انتقاء الكوادر التدريسية‏

*- هذا بالتأكيد يقودنا عبر هذا السياق إلى سؤالكم عن كيفية انتقاء الكوادر التدريسية في المركز والروائز المعتمدة في ترشيحهم وانتقائهم؟‏

**- كنا حريصين منذ البداية على جذب كوادر متميزة إلى الاسرة التعليمية في المركز الوطني للمتميزين لأن الطلاب متميزون, كما كنا نحفز أي مدرس يشعر بنفسه أن لديه طرقا تربوية تعليمية متميزة في اختصاصه أن يتقدم للمشاركة في كوادرنا التدريسية, وهنا يجدر التنويه إلى أن أحد الروائز المعتمدة في اختيار هؤلاء المدرسين هو الاولمبياد العلمي حيث نطلب من المدرسين الناجحين في هذا الاولمبياد أن يقدموا درسا نموذجيا أمام الطلاب بحضور لجنة علمية مختصة لتقييم الجانب العلمي والتربوي عند كل مدرس ميدانيا كما نحرص بعد ذلك على إخضاع المدرسين المقبولين لدورة تدريبية لمناهج المركز وبالمناسبة لدينا دورة تدريبية خاصة بمناهج المركز من 19 وإلى 22 الشهر الجاري وقد جعلناها مفتوحة لكل مدرس يرغب بالانضمام الينا.‏

*- هذا بالنسبة للخطة الدراسية فماذا عن المشرفين على الخطة العلمية؟‏

**- سبق أن أشرت إلى أنه يساهم معنا في الخطة العلمية والبحثية في المركز مشرفون أكاديميون من جامعة تشرين في جميع الاختصاصات وهؤلاء يتم انتقاؤهم من خلال التنسيق مع جامعة تشرين ووزارة التعليم العالي اللتين تحرصان على رفد المركز بمشرفين أكاديميين متميزين في كل اختصاص.‏

تنافس ايجابي‏

*- نعيش صراعا بين قطبين وتنافسا عالميا في غزو الأرض والفضاء.. ما دورالمركز في إحياء التنافس الإيجابي بين المتميزين وتنمية روح التعاون البناء والتكامل مع الآخر في تعلم نشط فعال؟‏

**- يفرض نمط التعلم في المركز والجو الذي يعيشه الطلاب مفهوم التعاون, فالتعلم التعاوني يمارس في كل المواد الدراسية وليس المطلوب من الطالب أن يفهم المعلومة فقط وإنما هو مطالب أيضا بأن يوصلها إلى شريكه في الشعبة الصفية ويقيم على ذلك. وبالتالي لا يمكن أن يكون التنافس إلا إيجابيا بين الطلاب المتميزين إذ يقسم الطلاب في بداية كل حصة إلى مجموعات من 4-5 طلاب بحيث يوزع عليهم نشاطان مختلفان ضمن العنوان المطروح, وبعد الانتهاء من النشاطين, تتم إعادة توزيع الطلاب ضمن ثنائيات من كلا النشاطين ليتم بعدها تبادل المعلومات وينتهي الدرس بتقويم بنائي من 25 علامة توزع 15 درجة للتعلم البنائي و10 درجات للتعلم التعاوني وهكذا نقضي على التنافس السلبي المبني على احتكار المعلومة.كما يتمثل التنافس الإيجابي عند طلاب المركز بقوة في فترات التدريب فهم يتساعدون في حل المسائل والتدريبات ويقوم الطلاب مشكورين بتدريب زملائهم تطوعيا وبشكل دوري وهذا ما يعزز التنافس الإيجابي بينهم.‏

مندمجون في المجتمع‏

*- إذا نظرنا إلى مميزات وعيوب النظريات من حيث الصدق والثبات الافتراض والتجريب كيف نناقش علاقة المركز بالمجتمع واندماج المتميزين فيه؟‏

**-كما نعلم نمط الدراسة في المركز والإقامة الداخلية فيه يفرضان على الطلاب شيئا من العزلة عن المجتمع وهنا نعالج الامر بخطة المهارات والأنشطة ونراعي فيها عملية دمج الطالب بالمجتمع من خلال زيارات ميدانية إلى منشآت ومراكز علمية وخدمية كدور العجزة والمسنين والمشافي والمشاركة في الحملات التطوعية وغيرها من النشاطات المجتمعية التي تصقل شخصية الطالب وتجعله جزءا فعالا ومفيدا للمجتمع وليس منسلخا عن واقعه بالإضافة لتقاسم العمل والمهام وتوجيه الطلاب بين فرق تعاونية في كل الانشطة.‏

بناء نخبة علمية‏

*- الوصول إلى القمة صعب والحفاظ عليها أصعب, هل يمكن القول أن المركز وصل إلى القمة في بناء نخبة علمية تنهض بالمجتمع وما استراتيجيته في الوصول والحفاظ على القمة؟‏

**- الكلام مبكر في القول بأننا وصلنا إلى القمة, فلا تزال تجربة المركز في بداياتها. نأمل أن نصل للقمة في بناء ثروة علمية تعمل على بناء الوطن الذي ينتظر أبنائه المتميزين في كل مجال. وندرك أنه ليس من السهل تغيير مفاهيم مجتمعية راسخة عبر عشرات السنين تضع اختصاصا كالطب في قمة أولويات الطلاب وذويهم. لكننا نتوجه في المركز نحو اختصاصات هندسية هجينة, لا تقل أهمية عن الطب بل تتفوق عنه في بعض الأحيان خاصة في المرحلة التي يمر بها بلدنا الحبيب. فسورية بحاجة ماسة لأيادي أبنائها المحترفة والعالية الأداء لإعادة إعمارها وبنائها في مرحلة التعافي من الأزمة.‏

من أين و إلى أين؟‏

*- مع تطور المستجدات التقنية في قياس المدخلات والمخرجات وتطوير أدوات القياس والتقويم لضبط الجودة ورصد الأداء وربطه بالمؤشرات العالمية لتحقيق كفاءة عالية للأنظمة التعليمية, يصبح السؤال مشروعا.. المتميزون من أين وإلى أين؟.. بمعنى آخر أين تصب مخرجات هذا المركز وهل ثمة التزام حكومي في استثمار هذه النخبة التعليمية في المكان المناسب والصحيح؟‏

**-نعم.. يتساءل البعض عن مستقبل خريجي المركز, وهل سيكون استثماراً حكومياً لهؤلاء.‏

أقول لهذا البعض: إن منصات البحث العلمي في جامعات القطر والمراكز البحثية تنتظرهم وتنتظر خبراتهم لتنهض بقوة في البحث العلمي بكافة المجالات.‏

لدينا الآن في المرحلة الجامعية ثلاث دفعات توزعت في عدة اختصاصات جامعية هجينة بجامعة دمشق والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجية, وفي الحقيقة لا يزال هناك نقص في فرق البحث العلمي ولا بد لنا من أن تغذيه بباحثين محترفين, من هنا أنا لا أرى أية مبررات لتخوف خريجي المركز من أن يستغنى عنهم فهم ثمرة مشروع المركز الوطني للمتميزين, والمجتمع والوطن بأمس الحاجة لإبداعاتهم ونأمل أن يكونوا كما عودونا على قدر المسؤولية.‏

ثقافة الاولمبياد العلمي‏

*- أخيرا نتساءل عن دور المركز في نشر ثقافة الاولمبياد العلمي سواء للطلاب أو المدرسين.. ماذا حقق على الصعيد الداخلي والخارجي ليس كحصان سبق يقع عليه الرهان وإنما في تكريس ثقافة التنافس الإيجابي عن المتميزين؟‏

**- كما ذكرت للمركز حصة الأسد في الفرق الوطنية وفي العام الفائت كان عدد طلابنا في الفريق الوطني للأولمبياد 17 طالبا وطالبة في الاختصاصات الخمسة الفيزياء والكيمياء والرياضيات والعلوم والمعلوماتية. وقد كان لهم مشاركات دولية في الكيمياء والرياضيات. حاليا يتنافس الطلاب في الاولمبياد العلمي الداخلي الخاص بالمركز (السبت العلمي) والاولمبياد الوطني بروح رياضية وحماس لتمثيل الوطن وإظهار الصورة الحضارية لسورية منبت النور والحضارة. وهنا أود أن أتقدم بالشكر للهيئة الوطنية السورية للأولمبياد العلمي التي ترعى الإبداع والابتكار وتجعل الفرصة سانحة للطلاب كي يتنافسوا إيجابيا لتمثيل الوطن.‏

مسك الختام‏

في كلمة أخيرة أوجهها لطلابنا الأعزاء وكل من يرغب بالانضمام للمركز في الأعوام القادمة أقول : إن كل طالب متميز هو جندي كما الجندي العربي السوري يدافع بتميزه وبعلمه عن سورية فهومعه في خندق واحد ضد الجهل الأسود والتخلف الذي يحيط بنا من كل حدب وصوب.‏

دامت سورية صامدة قوية.‏